صفحة الرواية على الفيس بوك
برومو رواية اليعسوب
ساوند تراك رواية اليعسوب
للحصول على نسخة ورقية من موقع أمازون أمريكا
للحصول على نسخة ورقية من موقع أماوزون أوروبا
للحصول على نسخة الكترونية
جود ريدز
قد تكون ما سمعت عنهم..
وقد يكون أناس آخرون أكثر شهرة منهم لا يستحقونها مثلهم.. ووُصفوا أبطالاً..
غيَّروا كثيرًا في مجرى الأمور ولم ينتظروا مقابلاً ما..
بعضهم لقي حتفه وهو يقوم بدوره..
دون أن يترك أثرًا يعلمه من بعده..
هم كثيرون..
ربما أنت واحد من هؤلاء الأبطال.. أو ستكون منهم في يوم ما..
هو اختيارك أنت..
أن تكون واحدًا من هؤلاء الأبطال..
المجهولين.
***
«الأبطال لا يولدون أبطالاً..
المواقف التي يتعرضون إليها..
وموقفهم منها.. عن طريق قيامهم بما يجب فعله في تلك اللحظة تحديدًا..
هي التي تصنع منهم..
أبطالاً».
الفعل المؤثر في الزمن المؤثر..
لكل حدث في هذه الدنيا لحظة فاصلة..
نقطة انطلاق أو انحسار وانكسار..
ليس بالضرورة أن تكون هي اللحظة الأخيرة..
أو التي انتهت إليها الأحداث..
أو خلصت إليها الأمور..
بل هي نقطة في مسار الحدث ترسم شكل النهاية..
وهي اللحظة التي تقترف فيها فعلاً يغير المسار بشكل حرج..
إنها لحظة زمنية (الزمن المؤثر)، التي إذا عدت إلى الوراء إليها وقمت بفعل مختلف (الفعل المؤثر) سيتغير فيها مجرى الأمور.
الفارق بين الهزيمة والنصر..
النجاح والفشل..
التقدم والتأخر..
هو إدراك تلك اللحظة..
وفعل ما كان يتوجب.. في اللحظة المناسبة..
أو فعل ما يجب فعله.. قبل فوات الأوان..
***
تمهيد
منذ قديم الأزل، كانت المرأة هي المشكلة التي لا حل لها..
ربما كان جهل الرجال بطبيعتها وطريقة تفكيرها ما جعلها كينونة غامضة، تتأرجح بين الشر والخير. ولا أكون مبالغا إذا قلت إن كفة الشر كانت هي الأرجح.. ليس هذا من وجهة نظري فحسب، بل هو من وجهة نظر التاريخ البشري أيضا، بل وحتى الأساطير.
إذا كنت في شك مما قلت آنفا، فاسمح لي – من فضلك - أن آخذ من وقتك قليلا لأستعرض لك سريعا لمحات خاطفة من التاريخ القديم والحديث، ولقطات من الأدب العربي والغربي.
عندما دققت في هذا الموضوع - وقرأت كثيرا في هذا التمييز الجنسي عبر العصور، وآراء الفلاسفة مثل سقراط وأبقراط ودانتي وأدينوس ولامارتين ومونترلان وبرناردشو والعقاد وأنيس منصور ونجيب الريحاني الذي قال مقولة طريفة غريبة: «المرأة عنصر يمكن للحياة أن تستمر من دونه.. بدليل أن الحياة كانت سائرة حين خُلق آدم وحده، وقبل أن تُخلق من ضلوعه حوَّاء» - تملكتني دهشة وحيرة ولم أفهم السبب أو حتى لماذا أفردت كتب كاملة في كيفية التعامل مع المرأة، الذي أطلق عليه البعض «فن التعامل مع المرأة»، ناهيك عن بعض الكتب الحديثة التي لاقت رواجا مثل «الرجال من المريخ والنساء من الزهرة» الذي باع ملايين النسخ..
تساءلت حقيقة: لماذا تم تعقيد الأمور بهذا الشكل؟ ولماذا لم يتم التعامل مع المرأة كإنسان مثله مثل الرجل؟ ما أراه من حولي أن كل شيء درجات وطبقات. إذا كنت بين مجموعة من الرجال في العمل فلا بد أن يكون هناك أذكاهم أو أقواهم أو حتى أفضلهم.. مجموعة أصدقاء من البنات يجب أن تكون هناك أجملهن.. صبية يضمهم فصل واحد لا بد أن يظهر أقواهم الذي لا يهزمه أحد في الفصل، وهو مستعد لضرب كل التلاميذ واحدا واحدا، فقط ليثبت لنفسه أنه الأقوى بلا منازع. ناهيك طبعا عن الموظف المثالي وموظف الشهر والطالب المثالي وأحسن واحد في «العيلة» وأذكى إخوته، وهذا الكلام الفارغ.. هل هي طبيعة البشر أن يبحثوا عن التصنيفات والترتيبات والأفضليات في أي شيء وكل شيء؟ وصل الحد بالبعض إلى تفسير جزء من آية قرآنية «وليس الذكر كالأنثى» في إشارة إلى تفضيل الخالق - عز وجل - للمرأة عن الرجل؛ فهو – سبحانه وتعالى – لم يقُل: وليس الأنثى كالذكر!
لا تحدثني من فضلك بهذه الطريقة الغريبة، التي يعجز عقلي عن استيعابها. نحن هنا لسنا بصدد معرفة مَن الجنس الأرقى! ومن قال إن طبيعة الإنسان التفاضلية والتنافسية يجب أيضا أن تصل إلى حد التنافس في نوع الجنس؟! فنحن لا نتحدث هنا عن شعبة من فصيلة الطفيليات نبحث عن أرقاها لنضعها على رأس القائمة.. فالأمر محسوم من الخالق عندما قال: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ».
إذًا لا فضل بين إنسان وإنسان - ذكرا كان أو أنثى - إلا بالتقوى.
انتهى.
أي وجودنا هنا الآن ليس محاولة إثبات أفضلية جنس على آخر، إنما نحن هنا لاستعراض ما الذي مرت به المرأة عبر العصور وحتى كيف صُوِّرت في الأساطير لنحاول فهم المرأة اليوم.. إن ما مرت به المرأة لا بد أنه شكَّل جزءا من الوعي الجمعي لدى الرجال والنساء على حدٍّ سواء، ما قد أدى إلى خلل في طريقة تعامل الرجل مع المرأة والعكس.
عبر التاريخ والحضارات والثقافات، ترددت أسئلة غير منطقية حول المرأة، وصلت إلى حد السؤال: هل هي إنسان؟ هل لها كيان مثل الذكر؟ هل تستحق الاحترام؟ ناهيك عن بعض العقول المتخلفة التي سألت: هل هي نجاسة؟ هل تُعامَل كالرجل؟
حُرمت المرأة من حقوق اجتماعية وسياسية والحق البشري الأصيل حتى في الاختيار، إلى الحد الذي أوجب ظهور اتفاقية من الأمم المتحدة عام 1981 تحاول توثيق وتأصيل حقوق المرأة وعدم جواز التمييز الجنسي بين الذكر والأنثى. إن وجود اتفاقية مثل هذه هو دليل إدانة دامغ ضد ما كان يقوم به المجتمع ضد المرأة، ما أدى إلى ظهور مثل هذه الاتفاقية الغريبة التي ما كان لعاقل أن يتصور ضرورة حتميتها في أن تضمن للمرأة حقوقا ظننتُها فطرية مثل حقوق الإناث في التعليم بل وحتى العلاج!
لن يتسع المجال هنا لدراسة وسرد كيف عُوملت المرأة عبر التاريخ. دعني أذكر لك مثالين: الأول في العصر الجاهلي والثاني في العصور الوسطى لأوروبا.
هل سمعت عن وأد البنات؟ حين كانت تُدفن الصغيرة حيةً، لا لشيء إلا أن نوعها غريب..
أنثى!
أية طبيعة عقل بشري هذه؟ بل وأية نفسية تلك التي جعلت أبا يقتل ابنته؟ لن أحدثك عن شعور البنت نفسها، بل سآخذك إلى نقطة أخرى تبدو لي أخطر.. ماذا عن شعور التي بقيت على قيد الحياة؟
الأم.
وهل سأل أحد عن شعورها وهي تعلم أن ابنتها ستموت، لا لشيء إلا لأنها من الفصيلة نفسها..
أنثى!
لك أن تتخيل مدى الاضطهاد والانكسار والذل، بل والعبودية التي كانت تعيش فيها الزوجة إلى الحد الذي لا تجرؤ معه على الاعتراض على قرار زوجها بوأد الطفلة. إذًا لماذا لا يئدها هي أيضا؟ يبدو أنه ما زال بحاجة إليها لممارسة الجنس والاعتناء به والقيام بأعباء المنزل..
ألهذا خُلقت؟!
لا أخجل من أن أقول إن هناك ذكورا - وليس رجالا - في مجتمعنا المعاصر ما زالوا يتعاملون مع المرأة بنفس عقلية الرجل الجاهلي الذي كان يَئِدُها. إنه لا يستطيع أن يئدها جسديا الآن وإلا انتهى به المطاف بحبل غليظ يلتف حول عنقه.. لكنه ما زال يئدها..
نفسيا..
على الأقل!!
دعني أستعرض لك شكلين من أشكال الوأد البدني لعلك تتصور ما نحن بصدده:
1- كانت تجلس الحامل عند الولادة قرب حفرة، وعندما تضع بنتا تلقيها بالحفرة وتهيل التراب عليها بأمر من زوجها. وإذا كان المولود ولدا تأخذه وترجع للدار.
2- كان البعض يترك البنت حتى تبلغ السادسة من العمر – لا أدري حقا لماذا السادسة؟! - فيأمر الأبُ الأمَّ أن تزين طفلتها ليأخذها إلى أقاربها. وفي الطريق الذي حفر حفرة فيه يرمي الطفلة فيها ويهيل التراب عليها.
ويُروى أن إحدى النساء عندما وضعت بنتا خافت عليها فهربت بها بعيدا، ثم عادت بها إلى أبيها وعمرها 13 سنة لعل قلبه يرق لهذا الكيان البالغ التكوين من أمامه والمفعم بالحياة، فما كان من الأب إلا أن أخذ ابنته ودفنها في الصحراء، وكان كلما يحفر يتطاير التراب على لحيته فتقوم البنت بنفض التراب عن لحيته.. ببساطة، كرهت المخلوقة الرائعة أن ترى أباها مغبر اللحية بينما هو يحفر ليهيل عليها التراب.
ننتقل إلى العصور الوسطى في أوروبا؛ حيث ذاقت المرأة كئوس الذل والهوان.. هل سمعت عن أقفال العفة؟ أقفال من الحديد تُركَّب في أحزمة حول موضع عفتها، لا لشيء إلا لسوء الظن وعدم الثقة في أخلاقها. هذه المفاتيح تبقى مع الزوج لا تفارقه لحظة. ظهرت أيضا أقفال الفم، توضع عند خروجها من المنزل حتى لا يدور بينها وبين الرجال حديث تغويهم به إلى ممارسة الرذيلة.
لقد كانت النساء في أوروبا متأخرات، جاهلات، يقفن عقبة في سبيل العلم والنور، وكانت الكتب الشرعية تضطرم بسخط شديد على مجرد وجود النساء في العالم. كان يُقال لهن: يجب أن تخجلن من كونكن نساء، وأن تعِشن في ندم متصل، جزاء ما جلبن على الأرض من شقاء ولعنة. وشاعت في تلك الفترة عقيدة الزهد والإيمان بنجاسة الجسد، ونجاسة المرأة، وباءت المرأة بلعنة الخطيئة الأولى، فكان الابتعاد عنها حسنة مأثورة.
واجتاحت فكرة «المرأة الساحرة والمشعوذة»، في أوروبا في القرون الوسطى، وفي أمريكا في القرون الحديثة، فكان يتم تعذيب وحرق وقتل أي امرأة يتم الاشتباه بأنها «ساحرة»، فضلا عن تخصيص بعض المدن محاكم خاصة لـ«النسوة الساحرات».
امتدت الإساءة إلى المرأة عبر المؤلفات والحكم والأشعار. وكثرت مؤلفات الفلاسفة والعلماء والمفكرين في العصور الوسطى التي تتناول المرأة بشكل مسيء.. أبدعوا في خلق كائنات غريبة ومخيفة تشبه النساء وأطلقوا عليها تسميات مختلفة.
وزحفت تلك الأساطير إلى المجتمعات الخليجية؛ ففي كتب التراث - على سبيل المثال - كان يتم تصوير بعض النسوة بالكائن المخيف والشرير، حتى أضحت أم السعف والليف والسلعوة وحمارة القايلة شخصيات مشهورة يتم ترهيب وتخويف صغار السن بهن.
وفي مصر، ظهرت النداهة وأمنا الغولة.. هم في هذه الأسطورة يصورون جمال المرأة بأنه لعنة وكل من يركض خلف هذا الجمال ستحل به الكوارث المميتة.. وفي الأسطورة اليونانية (المرأة الأفعى) مثال واضح على تصوير المرأة كمخلوق شيطاني يقتل ويسفك الدماء، وليس هذا فقط؛ فهذه المخلوقة الشنيعة تقتات على ضحاياها من الرجال والأطفال؛ حيث تمتص دماءهم لآخر قطرة ثم تتركهم ليموتوا ببطء شديد.
وأسطورة «باندورا» التي أُعطيت وعاء مغلقا لتحمله، واشتُرط عليها ألا تقوم بفتحه؛ لأن بفتحه ستموت البشرية، لكن «باندورا» كانت فضولية فغلب الفضول عقلها ولم تهتم بالكوارث المريعة التي ستصيب البشرية!! فقامت وفتحت الوعاء لتخرج منه أمراض وكوارث فتكت بكل البشر، ولم يبقَ في الوعاء غير الأمل، فكانت بذلك سببا في تبديد الخير وانتشار جميع الآثام والشرور. في هذه الأسطورة بكل بساطة وُصفت المرأة بأنها ضعيفة العقل لا تتحمل المسئولية وهي السبب الرئيس في دمار البشرية.
لا أريد أن أجادل هنا في الحقوق التي أعطاها الإسلام للمرأة وسأكتفي بنقطة واحدة. في القرآن الكريم هناك سورة كاملة هي النساء.. وهل هي مصادفة أن تكون أعظم عبارات العدالة في العالم وعبر التاريخ داخل تلك السورة تحديدا؟
«يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا».
الآن، وفي هذه الرواية، سيتحول العبد إلى السيد. وستُعطَى الضحية السوط لتجلد الجلاد. عبر الصفحات التالية سنرى عالما تحكمه النساء وملكة قاسية لا ترحم، قسمت الرجال نوعين، وتحاول إذاقة الرجل بعضا مما مرت به المرأة عبر العصور. قد ترى أشكالا من وأد الرجل ورجالا يرتدون حزام العفة.. ستُعقد مهرجانات تشبه سوق النخاسة لاختيار أقوى الرجال وأشدهم وسامة.. وقد تشاهد رجالا ليس لهم الحق في التعلم أو الاختيار.. هناك سجن جهنمي مصمم لتحطيم أي محاولات ذكورية لعكس الأوضاع.. ستعايش تجارب هندسة وراثية لتحقيق طفرات جينية مجنونة. في هذا العالم سيحاول الرجال التحرر من ذلك الأسر والثورة على أوضاعهم لعلهم يحصلون في النهاية على اتفاقية مماثلة كالتي حصلت عليها النساء في عام 1981، لكن تحت عنوان مختلف هذه المرة: «اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد الرجل عام 2071».
فهل ينجح الرجال في الحصول على حقوقهم كاملة في العلم والعمل والحياة؟
مقدمة
اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة
اعتُمدت وعُرضت للتوقيع والتصديق والانضمام بموجب قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة 34/180 المؤرخ في 18 ديسمبر 1979.تاريخ بدء النفاذ: 3 سبتمبر 1981، وفقا لأحكام المادة 27 (1).
إن الدول الأطراف في هذه الاتفاقية، إذ تلحظ أن ميثاق الأمم المتحدة يؤكد من جديد الإيمان بحقوق الإنسان الأساسية، وبكرامة الفرد وقدره، وبتساوي الرجل والمرأة في الحقوق..
وإذ تلحظ أن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان يؤكد مبدأ عدم جواز التمييز، ويعلن أن جميع الناس يولدون أحرارا ومتساوين في الكرامة والحقوق، وأن لكل إنسان حق التمتع بجميع الحقوق والحريات الواردة في الإعلان المذكور، دون أي تمييز، بما في ذلك التمييز القائم على الجنس..
وإذ تلحظ أن على الدول الأطراف في العهدين الدوليين الخاصين بحقوق الإنسان واجب ضمان مساواة الرجل والمرأة في حق التمتع بجميع الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والمدنية والسياسية..
وإذ تأخذ بعين الاعتبار الاتفاقيات الدولية المعقودة برعاية الأمم المتحدة والوكالات المتخصصة، التي تشجع مساواة الرجل والمرأة في الحقوق..
وإذ تلحظ أيضا القرارات والإعلانات والتوصيات التي اعتمدتها الأمم المتحدة والوكالات المتخصصة، للنهوض بمساواة الرجل والمرأة في الحقوق..
وإذ يساورها القلق، مع ذلك؛ لأنه لا يزال هناك، على الرغم من تلك الصكوك المختلفة، تمييز واسع النطاق ضد المرأة..
وإذ تشير إلى أن التمييز ضد المرأة يشكل انتهاكا لمبدأي المساواة في الحقوق واحترام كرامة الإنسان، ويعد عقبة أمام مشاركة المرأة، على قدم المساواة مع الرجل، في حياة بلدهما السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية، ويعوق نمو رخاء المجتمع والأسرة، ويزيد من صعوبة التنمية الكاملة لإمكانات المرأة في خدمة بلدها والبشرية..
وإذ يساورها القلق، وهي ترى النساء، في حالات الفقر، لا ينلن إلا أدنى نصيب من الغذاء والصحة والتعليم والتدريب وفرص العمالة والحاجات الأخرى..
وإذ تؤمن بأن إقامة النظام الاقتصادي الدولي الجديد، القائم على الإنصاف والعدل، سيسهم إسهاما بارزا في النهوض بالمساواة بين الرجل والمرأة..
وإذ تنوه بأنه لا بد من استئصال شأفة الفصل العنصري وجميع أشكال العنصرية والتمييز العنصري والاستعمار والاستعمار الجديد والعدوان والاحتلال الأجنبي والسيطرة الأجنبية والتدخل في الشئون الداخلية للدول إذا أريد للرجال والنساء أن يتمتعوا بحقوقهم تمتعا كاملا..
وإذ تجزم بأن من شأن تعزيز السلم والأمن الدوليين، وتخفيف حدة التوتر الدولي، وتبادل التعاون فيما بين جميع الدول، بغض النظر عن نظمها الاجتماعية والاقتصادية، ونزع السلاح العام، لا سيما نزع السلاح النووي في ظل رقابة دولية صارمة وفعالة، وتثبيت مبادئ العدل والمساواة والمنفعة المتبادلة في العلاقات بين البلدان، وإعمال حق الشعوب الواقعة تحت السيطرة الأجنبية والاستعمارية والاحتلال الأجنبي في تقرير المصير والاستقلال، وكذلك من شأن احترام السيادة الوطنية والسلامة الإقليمية، النهوض بالتقدم الاجتماعي والتنمية، والإسهام، نتيجة لذلك في تحقيق المساواة الكاملة بين الرجل والمرأة..
وإيمانا منها بأن التنمية التامة والكاملة لأي بلد، ورفاهية العالم، وقضية السلم، تتطلب جميعا مشاركة المرأة، على قدم المساواة مع الرجل، أقصى مشاركة ممكنة في جميع الميادين..
وإذ تضع نصب عينيها دور المرأة العظيم في رفاء الأسرة وفي تنمية المجتمع، الذي لم يُعترف به حتى الآن على نحو كامل، والأهمية الاجتماعية للأمومة ولدور الوالدين كليهما في الأسرة وفي تنشئة الأطفال..
وإذ تدرك أن دور المرأة في الإنجاب لا يجوز أن يكون أساسا للتمييز، بل إن تنشئة الأطفال تتطلب بدلا من ذلك تقاسم المسئولية بين الرجل والمرأة والمجتمع ككل..
وإذ تدرك أن تحقيق المساواة الكاملة بين الرجل والمرأة يتطلب إحداث تغيير في الدور التقليدي للرجل، وكذلك في دور المرأة في المجتمع والأسرة..
وقد عقدت العزم على تنفيذ المبادئ الواردة في إعلان القضاء على التمييز ضد المرأة، وعلى أن تتخذ، لهذا الغرض، التدابير التي يتطلبها القضاء على هذا التمييز بجميع أشكاله ومظاهره.
الفصل الأول
المكان: فرنسا - سجن الباستيل
الزمان: أواخر القرن السابع عشر
تقدم ثلاثة حراس داخل سجن الباستيل – الذي يتميز بأهمية ضيوفه وشهرة الجرائم التي قاموا بها - في خطوات مقبضة تحمل الموت في طياتها إلى داخل زنزانة حبس انفرادي.
كانت الليلة هي ليلة تنفيذ حكم الإعدام على سجينة غير عادية: مورين أندريا.
خطوات الحراس ثقيلة، عالية، مخيفة.. ممرات السجن – بألوانها الرمادية – وأرضيتها القاتمة.. شعلات النيران على مسافات منتظمة داخل تجويف الحائط بذلك الممر الضيق تلقي ظلالا مخيفة وخيالات مرعبة مع صوت صفير الرياح في الخارج وتسلل صوت الرعد من وراء الجدران ليذكر من بالداخل أن العاصفة لم تهدأ بعدُ.
فجأة، هبت رياح ساخنة لفحت وجوه الحراس الثلاثة داخل الممر المغلق وأطفأت جميع شعلات النيران الموجودة بداخله والذي يوجد في نهايته زنزانة مورين أندريا..
- يا للشيطان! ما الذي يحدث؟ من أين هبت تلك الرياح الساخنة؟ إن الممر مغلق تماما!
قالها أحد الحراس وهو يركض مع زملائه باتجاه الزنزانة وزميله يقول:
- كنت أعلم أن هذه الليلة ستكون ليلة مشئومة.. هذه المرأة ساحرة لعينة.
وصل الحراس الثلاثة إلى الزنزانة وتحولت ملامحهم من التوجس إلى الرعب الممزوج بالدهشة..
فالزنزانة كانت خالية تماما ولا وجود لمخلوق بداخلها..
فتح الحارس قفل الزنزانة وهو يقول:
- أيها الرب.. ساعدنا.
وقف الثلاثة في رعب يتطلعون إلى تلك الصورة الكبيرة المرسومة التي احتلت حائط الزنزانة المواجه لمدخلها..
صورة مورين أندريا..
بل صورة لجسد مورين أندريا.. ولكن بوجه بشع يختلف عن وجهها الذي عُرفت به.
عاشت مورين أندريا في مدينة مارسيليا في فرنسا.. تزوجت أربعة رجال أغنياء ماتوا جميعهم ميتة غامضة مريبة.. أنجبت خمسا من الإناث وثلاثة من الذكور.. جميع أولادها من الذكور ماتوا في الشهر الأول.. كانت مورين أندريا إحدى أكثر النساء شؤما في زمانها ولم تكن محبوبة من قِبَل جيرانها لسلوكها المتغطرس وعجرفتها، إلى جانب غناها المفرط الذي كان مصدر حسد وحيرة الكثيرين.
تزوجت «مورين» زوجها الخامس والأخير – بعد موت زوجها الرابع –آلان سباستيان، الذي سقط صريعا بعد عدة أشهر من الزواج بمرض غريب أدى إلى سقوط أظافره وخصلات شعره.
هنا بدأت بناتها من أزواجها السابقين يلمحن إلى أن آباءهن ماتوا بالطريقة المريبة نفسها بعد مرورهم بتلك الأعراض الغريبة.
كان «آلان» يحب زوجته فعلا ولم يكن ليسمح أن يلمح أحد أمامه بأي أمر يسيء إلى محبوبته «مورين». عاد ذات ليلة من رحلة عمل قبل موعده بأسبوع كامل وقرر مفاجأة زوجته.. لم يعثر لها على أثر داخل المنزل، وبسؤال مدبرة المنزل أجابت:
- هي في القبو منذ ساعات.. تركت تعليماتها بعدم اقتحام خصوصيتها لأي سبب كان.
لم يبالِ «آلان» بما تقوله مدبرة المنزل، فزوجته أوحشته كثيرا..
دخل القبو - الذي لم يطأه من سنين - وهاله ما رأى..
أجزاء من جثث أطفال صغيرة.. خبز الطقوس منقوش عليه اسم الشيطان.. كثير من الشعر والأظافر.. باختصار: كل ما يدل على أن محبوبته تمارس السحر والشعوذة وكل ما يثبت صحة الشائعات..
اندفع يركض خارج القبو في ذعر وأبلغ الأسقف تيبوت فرانسوا، الذي كان معروفا بمدى صرامة أحكامه حول السحر والشعوذة. وبعد التقصي والتحقيق اتهمها الأسقف بممارسة السحر وتم إلقاء القبض عليها وعلى خمسة عشر شريكا تم اكتشافهم فيما بعد بينهم إحدى بناتها وخادمتها الخاصة.
كشفت التحريات التي أجرتها الكنيسة عن أن «مورين» كانت تنسل في الليالي المقمرة للقاء شركائها في الكنائس المهجورة والمقابر؛ حيث تتم بها إقامة طقوس خاصة وتقديم الحيوانات الحية قرابين للشيطان ومن ثم تنزع أطرافها وتنثرها في مفارق الطرق. ثبت أيضا أنها كانت تصنع تعاويذ ومراهم خاصة من مكونات شريرة كشعر المجرمين الذين تم شنقهم وأظافر أُخذت من رجال موتى وأمعاء حيوانات وديدان وأعشاب سامة ولحم أطفال ماتوا قبل العماد.. وقد ذكر في السجلات أنها كانت تغلي كل تلك الأشياء في جمجمة لص قُطع رأسه من قِبَل الكنيسة.
تم أيضا توجيه تهمة غريبة للغاية لها:
علاقة مع شيطان!
شيطان يدعى روبرت أربيتسون، الذي وُصف بأنه رفيقها وأنه يظهر معها في بعض الأحيان على هيئة قط ضخم أسود. وحاولت الكنيسة بشتى الطرق إلقاء القبض على هذا المخلوق غير المعروف، إلا أن هناك شائعة سرت بأن هذا المخلوق شخص نبيل لا تجرؤ الكنيسة على إلقاء القبض عليه.
وفي النهاية تم الحكم عليها بالإعدام، إلا أنها اختفت تماما من داخل الحصن - سجن الباستيل - على الرغم من الحراسة المشددة - تاركة تلك الرسمة المشوهة على حائط الزنزانة.
ولغزا قائما حتى اليوم!
***
المكان: المملكة الجنوبية المتحدة (مصر والسودان والنوبة) - قطاع الصحراء الشرقية.
الزمان: الثاني عشر من شهر ديسمبر لعام 2071 ميلادية.
أوشكت الشمس على المغيب بلونها الأحمر الحزين معلنة عن انقضاء ذلك اليوم. ومع اختفائها داخل البحر، بدأت الظلال تنحسر عن ذلك الطريق الجبلي الذي انطلقت عليه سيارة رياضية حديثة بسرعة عالية، والتي بدت وكأنها تسابق الظل في عكس اتجاهه. بداخلها ثلاث فتيات وشاب وسيم يجلس على المقعد الخلفي، موفور الصحة، لا يبدو عليه أنه مندمج مع رفاقه، بل بدا منشغلا شارد الذهن شاخص البصر من وراء زجاج السيارة، غير مبالٍ بضحكاتهم العالية التي جاوزت زجاج السيارة المغلق على الرغم من صوت موسيقى الروك التي تصدح بصوت يصم الآذان.
كان يقف على قارعة الطريق حينما عرضت عليه الفتاة التي تقود السيارة أن تقله معهم.. هو في حالة تشويش ذهني كامل وكأنه أفاق من غيبوبة.. لا يدري أين يقف ولا كيف جاء إلى هذا المكان.. الغريب أنه تذكر اسمه بصعوبة حينما سألته الفتاة عن اسمه..
- «هدى».. هناك كمين شرطة من أمامك.. أبطئي سرعتك قليلا من فضلك.
قالها الشاب في حزم وتوتر.
اعتدلت «هدى» في جدية خلف عجلة القيادة وهي تهز رأسها يمينا ويسارا في محاولة فاشلة للرجوع إلى وعيها، ثم قالت في سرعة وهي تحاول أن تفيق من حالة النشوة المسيطرة عليها:
- أخفوا زجاجات الخمر..
وعلى بُعد أمتار قليلة - قبل أن تقف السيارة - كانت هناك شرطية تشير إلى السيارة بأن تتوقف، ثم أشارت بيدها بما معناه أنه أمر بإنزال زجاج السيارة، وقالت في صرامة لـ«هدى»:
- مخالفة سرعة.
وعندما حمل نسيم البحر المحمل باليود رائحة الخمر مع فتح زجاج السيارة، أشارت لهم جميعا بالنزول من السيارة، وعلى الفور هبطت شرطيتان أقل رتبة من سيارة الشرطة واتجهتا صوب السيارة لتفتيشها.. بدت علامات القلق الشديدة على البنات الثلاث اللاتي بدت أعمارهن جنوب العشرينات أو شمال الثلاثينات. بينما وقف الشاب صامتا يراقب الموقف في حذر.
- هل أنت رجل أم يعسوب؟
وجهت الشرطية - أعلاهن رتبة – إلى «سيف» هذا السؤال في لهجة آمرة متعالية، ثم أتبعت:
- إذا كنت رجلا فاكشف عن ذراعك اليمنى وإذا كنت يعسوبا فاكشف عن اليسرى.
اتجه إليها «سيف» في لا مبالاة كاشفا عن ذراعه اليسرى، ما جعلها تفهم أنه يعسوب بمجرد رؤية وشم بارز على العضد الأيسر. أمسكت الشرطية بذراعه ورفعت جهازا إلكترونيا حديثا انطلق منه شعاع ليزر مسح مكان الوشم الذي يشبه «الباركود» فظهرت بيانات الشاب كاملة على لوحة الماسح الإلكتروني.
تطلعت إليه في دهشة وقالت:
- سيف الدين، يعسوب من المستعمرة الأم!! هارب ومطلوب للعدالة.
ثم قربت ساعدها الأيسر الذي يحمل ساعة «الجير» المتصل بجهاز بث لا سلكي حديث من فمها وقالت:
- لقد أمسكنا باليعسوب الهارب «سيف»، في المنطقة التاسعة.. كود المستعمرة السداسية الذي ينتمي إليها «أ ك 1» التابعة للقصر الملكي مباشرة ورقمه الكودي «3».
ثم وضعت يدها في جيبه وأخرجت منه شاشة إلكترونية رفيعة تشبه جهاز الـ«آي باد»، والتي لم تكد تخرجها حتى تلونت بلون أحمر وأصدرت أزيزا متقطعا يشبه الإنذار، دلالته أن الشخص الماثل أمامها لا يجوز له الوجود في هذا المكان، ما جعل الشرطية تقول في شراسة:
- يبدو أنك ستقضي ما بقي من عمرك في سجن الشلالات.
***
على مساحة 160 كيلومترا مربعا يقع منجم السكري، أشهر وأكبر منجم ذهب في مصر وثالث أكبر منجم في العالم، يقع في منطقة «جبل السكري» الواقعة في صحراء النوبة، جزء من الصحراء الشرقية 30 كم جنوبي «مرسى علم» في محافظة البحر الأحمر المصرية.
وعلى عمق 1000 متر تحت سطح الأرض - حيث تزيد الحرارة والضغط بشكل غير عادي - انتشر عدد كبير من الرجال يعملون في كد وتعب معظمهم، إن لم يكن كلهم، هزيلو البنية تبدو عليهم علامات سوء التغذية والفقر والوهن. يرتدون ثيابا رثة وزيا موحدا يشبه «عفريتة» الميكانيكي. وفي مشهد متناقض تماما، كانت بينهم سيدات - عددهن أقل - في وفرة من الصحة تبدو عليهن أمارات النعمة والقوة، أطول نسبيا من جميع الرجال في المكان وتحمل كل منهن سوطا رفيعا وتجوب المكان في قوة وغطرسة.
انحرف رجلان في ممر ضيق جانبي بعيدا عن العيون؛ حيث ارتكن أحدهما على الأحجار الساخنة وهو يتصبب عرقا ثم قال:
- أنا تعبت.. خلاص مش قادر يا «عماد».
كان «عماد» مشغولا بإدرار بوله على جدار صخري موليا ظهره لصديق عمره «صلاح» وهو يجيبه مازحا كعادته في أخذ الأمور باستخفاف نتيجة أميته وجهله:
- يفيد بإيه التعب يا تعب وأنا أعمل إيه يا عذاب.
قاطعه «صلاح» حانقا:
- انت يا أخي إيه؟ ما بتحسش؟ رايق أوي سعادتك!
أغلق «عماد» سوستة بنطاله دون أن يبالي بأن يستبرئ من النجاسة وقال بابتسامة واهنة:
- أعمل إيه بس يا أبو صلاح؟ ما هو من غلبي يا أخي بدل ما أطق.. إحنا كده كده ميتين.. ما هو الواحد في أم الشغلانة دي لإما هيقع تنكسر رقبته لهينفجر أو هيكهرب.. ولو نجا من كل الحاجات دي وربنا كتبله عمر رئته هتسود أو نظره هيبقى شيش بيش.. فيه إيه يا جدع؟ قضيها وانت ساكت.
قال «صلاح» في ضيق ولم يبدُ عليه أي انفراجة في الأسارير:
- فاضلك تقول أو يجيلنا انزلاق غضروفي من كتر الانحناء وتبقى بتقول كل اللي حذرت منه مشا.
نظر له «عماد» في غباء ثم لم يلبث أن رفع حاجبه وقال بلهجة سوقية واضعا يديه على كتف «أبو صلاح» كما يحلو له أن يناديه:
- مشا ولا قاعد؟ ما تخليك شويّه يا أبو صلاح.
أزاح «صلاح» يديه في اشمئزاز كأنه يزيل صرصورا من على كتفه:
- قولتلك مية مره ابقى استنجى.. مشا يا حمار.. MSHA.
ثم استطرد «صلاح» وأسند رأسه على الحائط ثم شرد ببصره بعيدا وكأنه يحادث نفسه:
- Mine Safety and Health Administration.. منظمة إدارة صحة وسلامة التعدين.
ثم شرد ببصره وهو يستعيد أحداثا مرت به طوال سنوات عمره الأربعين التي قضى نصفها تقريبا في المنجم نفسه؛ حيث تم دفن 33 عاملا احتُجزوا تحت الأرض لمدة 67 يوما إثر انهيار سطح المنجم عليهم. وفي حادثة أخرى حدث انفجار داخل المنجم أسفر عن موت أكثر من ثلاثين عاملا، وفي اليوم نفسه احتُجز أربعة من العمال، ثم تم العثور على جثتين لعاملين منهم كانا عالقَين داخل المنجم، كما قُتل 25 من عمال المنجم بسبب انفجار خاطئ في أثناء التنقيب.. و...
قاطعه «عماد» من شروده وهو يمرر راحتيه أمام وجه صديقه:
- إيه يا أبو صلاح، انت روحت فين؟ وبعدين انت عرفت الكلام الإنجليزي ده فين؟
أطرق «صلاح» برأسه وصمت هنيهة بدا فيها لـ«عماد» أنه لن يسمع إجابة عن سؤاله، ثم قال بصوت خفيض به غصة:
- أنا عمري ما بطلت قراءة وتعليم.. أنا بعتبر نفسي معايا بكالوريوس.
لم يكد ينتهي من عبارته حتى ظهرت أمامه فجأة إحدى الحارسات وانهالت بالسوط على ظهر «عماد» وقالت:
- عُد إلى العمل.
والتفتت إلى «صلاح» وهمَّت بتكرار فعلتها، لكن «صلاح» كان أسرع منها؛ حيث دفع أمامه «عماد» وابتعد عن مرمى بصرها.
كان الجو العام داخل المنجم كئيبا؛ حيث الظلام والتربة الطينية والحرارة والرطوبة والارتفاعات الشاهقة والصخور التي تعكس خيالات مرعبة حينما يسقط عليها ضوء الكشاف المعلق في جبين العمال. من الصعب أن تتخيل أن هذا المكان الموحش يتم فيه استخراج 128 كيلوجراما من الذهب يوميا، وهو ما يعادل العشرات من ملايين الجنيهات.
وبالقرب من محطة الصهر الرباعية داخل المنجم، كان يسير شاب في العقد الثالث من عمره يحمل خريطة جيولوجية حينما اعترض طريقه عاملان وقال أحدهما له في سخرية:
- «حسام»، الشاب الأخرس، انت لسه مش ناوي تتكلم معانا؟!
لم يبدُ على «حسام» أنه سمع هذه العبارة وانطلق في طريقه مطرقا إلى الأرض، وهو الأمر الذي استفزهما.. فوضع العامل الآخر يديه على كتف «حسام» ليستوقفه بالقوة قائلا:
- انت شايف نفسك على إيه؟ انت زيك زينا عامل في المنجم ده.
ثم، ليزيد من استفزازه، قام بجذب الخريطة من يد «حسام»، وفي ثانية أشعل فيها النيران بقداحته ثم ألقاها أرضا وهو ينظر إلى عيني «حسام» في تحدٍّ.
لم يبدُ أدنى أثر من المبالاة على وجه «حسام» وابتعد عنهما في صمت دون حتى أن ينظر في وجهيهما، وفي اللحظة التالية سمع الجميع صوت «عماد» عاليا:
- الحقونا يا اخوانا.. «أبو صلاح» جاتله صدمة حرارية.. الراجل شكله بيموت.
اندفع «حسام» راكضا في اتجاه صوت «عماد» واخترق صفوف العمال الذين تجمعوا حول «صلاح» ليزيحهم بكلتا يديه في قوة، ثم حمله على كتفيه واتجه به راكضا في اتجاه قطاع «آمون» - أحد القطاعات الأربعة التي ينقسم إليها المنجم - حيث توجد وحدة إسعافات أولية. والعمال ينظرون في دهشة كيف استطاع «حسام» بجسده النحيل أن يحمل «صلاح» ويركض به هذه المسافة وسط الصخور الوعرة. حتى إن «عماد» كان يجاهد في اللحاق به والذي ارتفع حاجباه في دهشة حينما رآه يقفز بروزا صخريا يتجاوز المتر ارتفاعا وهو يحمل «صلاح» الفاقد للوعي على كتفيه كطفل صغير وقال له:
- إيه يا عم السوبر مان.. طالما الموضوع كده ما تشيلنا إحنا الاتنين.. يخرب عقلك.. انت جبت الصحة دي منين؟ ولا باين عليك يا جدع.. انت ياض أنا مش لسه ضاربك علقة الأسبوع اللي فات؟ فيه إيه يا جدع ولا أنا ضربت واحد تاني وانا مش حاسس ولا إيه؟ يخرب بيت أم الحشيش اللي ضيَّع عقل الواحد...
قبل أن يتم عبارته كان «حسام» قد بلغ وحدة الإسعافات الأولية التي كان يقف على بابها حارستان قويتان تحملان السوط الإلكتروني ذاته. أشارت إحداهما إلى «حسام» بالتوقف وسألته:
- ماذا هناك؟
لم يجب «حسام» وإنما أشار بعينيه إلى «صلاح» الفاقد للوعي في اللحظة التي وصل فيها «عماد» لاهثا وقال:
- يا أخي مش وقت إشارات وحياة والدك.
ثم وجَّه عبارته إلى الحارسة وقال وهو يجاهد لاستنشاق الهواء:
- أبو صلاح عنده صدمة حرارية.. بيموت.
أشارت الحارسة بيديها لـ«عماد» وقالت في لا مبالاة:
- انت هتستنى هنا.. واحد بس هيدخل معاه.
دلف «حسام» بحمله إلى العيادة وهو ينظر في قلق إلى «صلاح»، كان في داخل وحدة الإسعافات الأولية دكتورة شابة، رشيقة، على قدر من الجمال تمتلك عينين جذابتين تنمَّان عن روح نقية وذكاء واسع. لم تلبث أن انفرجت أساريرها حينما وقع بصرها على «حسام»، ثم قامت في لهفة يصعب تمييز سببها أهي بسبب رؤية «حسام» أم إنقاذ «صلاح» أم الاثنين معا وهي تقول:
- ماله؟ إيه اللي حصل؟
لم يُجِب «حسام» وإنما أشار بعينيه في حزن ناحية «صلاح» ثم أتبعها بنظرة رجاء وأمل في اتجاه الدكتورة التي أشارت إليه بدورها أن يضع جسد «صلاح» على سرير طبي صغير وقالت:
- ما تقلقش، أنا هعمل اللازم.
أخذت الدكتورة تمارس عملها وهي تحاول إنقاذ «صلاح»، بينما «حسام» ينظر إليها. وقع نظره على اسمها المعلق بدبوس أنيق على البالطو الأبيض الذي ترتديه، فنظرت له نظرة سريعة وقالت وهي تعاود عملها:
- انت بتعرف تقرا؟
لم يجب «حسام» كعادته، فتابعت وكأنها فهمت:
- اسمي «حنان»..
ثم نظرت في اتجاه ساعد «حسام» الأيمن وقرأت اسمه موشوما - كما تنص القوانين - تحته مجموعة من الأرقام وقالت:
- اسمك «حسام»؟ اسم جميل.. وُلدت في عام 2051.
كان «صلاح» قد بدأ في استعادة وعيه فرفعت الدكتورة ساعده الأيمن وقرأت اسمه وقالت:
- انت تعبان يا «صلاح» وعندك سحار رملي كمان من غبار المنجم. ده بالإضافة إلى تليف رئوي.
- كل شغلانة وليها أمراضها.
- «صلاح».. انت هتطلع «الوحدة 97» علشان تتعالج.
- بس دي أكتر من السجن يا دكتورة.. ومين قال إني عايز أتعالج؟ أنا كده كويس.
- لأ مش كويس يا «صلاح»، الموضوع منتهي.. أنا هكتبلك تصريح خروج.
راقب «حسام» ما يحدث في صمت والدكتورة «حنان» تتحدث في جهاز اتصال داخلي لتخبر الحارسات بأمر نقل «صلاح» إلى «الوحدة 97»، ثم قام بتوديع «صلاح» بنظرة صامتة وترك وحدة الإسعافات الأولية في سرعة
***
...يتبع الفصل الثاني
.jpg)



No comments:
Post a Comment